الشيخ علي المشكيني
19
دروس في الأخلاق
والصفات ونحوها منسوباً إليه . وهذا الموجود وإن لم ينكشف لنا إلى الآن حقيقته وماهيّته إلّاأنّه قد أشير في الآيات والنصوص إلى جملة من أبعاده وأطراف وشؤونه وأوصافه ، فترى فيهما تعابير كثيرة ناطقة عن أحواله ، حاكية عن آثاره ؛ كالروح ، والقلب ، والعقل ، والنفس ، وغيرها ، كما مرّ بعضها ويأتي بعضها الآخر . الأمر الرابع : لابدّ أن نشير في المقام على حسب اقتضائه إلى شيءٍ من الآيات الكريمة ونصوص أهل البيت عليهم السلام ممّا فيه تبيان لحقيقة النفس والقلب وبدء تكوّنها وكيفيّة خلقتها ، وممّا فيه إيضاح لصفاتها وأفعالها وآثارها ؛ ليكون الباحث الفاحص عن نفسه ومَلَكاتها المُريد لإصلاحها وتزكيتها وحيازة سعادتها وإزالة شقاوتها على بصيرةٍ من أمره . فنقول : قال اللَّه تعالى : « وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسنَ مِن سُللَةٍ مّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنهُ نُطْفَةً فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ » « 1 » . الآية الشريفة ، إمّا مسوقة لبيان خلق جسم الإنسان وبدنه ، كما عليه أكثر المفسّرين ؛ فالمعنى : أنّ اللَّه تعالى ابتدأ بخلق نوع الإنسان بإيجاد فردٍ منه أو أفرادٍ ، فخلقه من أجزاء الأرض مخلوطةً بالماء ، مسمّاةً « بالسلالة » ؛ فقوله : « مِن طِينٍ » بيان لسلالةٍ ، أي : من سلالةٍ هي الطين ، وهذا المخلوق هو آدم وحوّاء ، أو هما مع عدّة ذكورٍ وإناثٍ ، ليكونوا أزواجاً لأوّل أولاد آدم وحوّاء ، ويتولّد سائر الأفراد منهم بالزواج والتناسل ، ويتحقّق معنى قوله : « ثُمَّ جَعَلْنهُ نُطْفَةً » . وإمّا مسوقة لبيان خلق روحه التي هي الإنسان حقيقةً ، فالمراد من الإنسان روحه ، ومن السلالة جسمه ، وكلمة « من » في الموردين نشويّة ، ومعنى الآية الشريفة : إنّا خلقنا الروح الإنسانيّة من جسمه ، وخلقنا جسمه من طين . وعلى هذا فكلمة : « ثمّ » للتراخي في الذكر ، والإشارة إلى كيفيّة تكوّن الجسم من الطين ، والوساطة الواقعة بين الطين والجسم الحيّ . وهذا في المثل نظيُر الدُّهن الصافي اللطيف الحاصل من الزيتون واللوز المخلوقين من الأرض بواسطة الشجر . ويشير إلى هذا النحو من خلقة الإنسان ما قد يقال : إنّ الروح
--> ( 1 ) . المؤمنون ( 23 ) : 12 - 13 .